
5 مشاريع جديدة ستغير فكرتك عن المدن الذكية في الشرق الأوسط. تعرف عليها الآن
مقدمة:
يواجه العالم توسعًا حضاريًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، إذ يقرر نسبة لا بأس بها من السكان حول العالم الانتقال من القرى والريف إلى المدن بحثًا عن فرص أكثر وجودة حياة أفضل، مما يتسبب بزيادة الضغوطات والتحديات التي تقابل المدن والمسئولين عنها، مثل الضغط الهائل على البنية التحتية والحاجة إلى توفير مصادر طاقة أكثر وزيادة إمدادات الصحة والتعليم والخدمات المجتمعية. أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فحالها حال دول العالم أجمع، تشهد مدنها تحديات وضغوط لتلبية متطلبات الزيادة السكانية ولتوفير خدمات شاملة للسكان. ومن الجدير بالذكر؛ أن مدن المملكة قد شهدت زيادة واضحة في معدلات نمو سكانها، فمن المتوقع مع سرعة التحضر أن تصل نسبة سكان المدن إلى 90% من السكان بحلول عام 2030، بحيث يبلغ عدد السكان في مدينة الرياض وحدها 8.2 مليون نسمة.
بالإضافة لهذا التحدي، تشهد المملكة تحديًا مختلفًا، فكما هو متعارف عليه؛ تعد المملكة العربية أكبر مصدر للنفط في العالم، ويعتمد اقتصادها على النفط بشكل أساسي، حيث يُشكل 45% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي ظل التغيرات الحالية والتوجه نحو التطور والاهتمام بالتكنولوجيا؛ وجب على المملكة توجيه اهتمامها واستثمارها لمصدر آخر غير النفط والاعتماد على الموارد غير البترولية لدعم الاقتصاد الوطني.
وهنا، جاء التفكير في المدن الذكية كحلاً لكلا التحديين، تقدم المدن الذكية حلولاً للزيادة الحضارية في المملكة وتوفر الخدمات والبنية التحتية المطلوبة، بالإضافة لكونها مصدرًا جديدًا ومبتكرًا للاستثمارات والدخل الوطني. ومن هذا المنطلق، شغلت المدن الذكية تفكير المملكة وتم الاهتمام بإنشاء تلك المدن ضمن مخططات رؤية المملكة العربية السعودية 2030. إذًا، ما هي المدن الذكية تحديدًا؟ وما العائد على الاقتصاد والمملكة منها؟ وما أهم المشاريع الموضوعة في المخطط؟ هذا ما سنتناوله في المقال ونحاول الإجابة عنه..
ما مفهوم المدن الذكية؟
ظهر مصطلح المدن الذكية وتبلور تدريجيًا في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة، وقد ارتبط المصطلح باستخدام التكنولوجيا والابتكار لتحسين البنية التحتية والخدمات الحضرية، بهدف تعزيز جودة الحياة والاستدامة. وتعتبر مدينة "سونغدو" في كوريا الجنوبية أول نموذج مدينة ذكية تم تطبيقه على أرض الواقع عام 2003. يمكن تعريف المدن الذكية أنها مدن تتم إدارتها وتشغيلها باستخدام البيانات الضخمة والتقنيات المتطورة (مثل إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وغيرها) لضمان جودة حياة عالية ولتوفير خدمات مجتمعية متطورة ومستدامة، ولرفع رفاهية المواطن وتحسين جودة الخدمات الحكومية.
في المدن الذكية، تتواصل كافة المنشآت العامة، والمباني الهامة، والطرق، والمساحات الخضراء، وإشارات المرور عن طريق آلاف المستشعرات والأجهزة الذكية المنتشرة في المدينة بأكملها لنقل أعداد ضخمة من البيانات بشكل مستمر ولحظي من أجل تحليل تلك البيانات وأخذ القرارات اللازمة حول توفير الطاقة، وتحسين جودة الحياة اليومية، وتنظيم حركة المرور، والاستعداد لحالات الطقس والتقلبات المناخية وغيرها. فتعتمد المدينة على التكنولوجيا الذكية لإدارة كل شيء، بدءًا من الطاقة والنقل وحتى النفايات والاتصالات. كما تُوفَر التطبيقات الذكية للمواطنين للسماح لهم بالوصول إلى خدمات المدينة واستقبال التقارير والأخبار الهامة.
ما عائدات المدن الذكية على الاستثمار وحياة المواطن؟
تعمل المدن الذكية على تسريع وتيرة النمو الاقتصادي من خلال الاستثمار في التقنيات الحديثة، فالشركات الكبرى تنجذب لها نظرًا لتوفيرها شبكات اتصال أفضل، وإمكانيات نقل مُحسنة، وبنية تحتية موثوق فيها، ومجموعة أكبر من العملاء والشركاء المحتملين. بالإضافة لتوفير تلك المدن الإمكانية للوصول لبيانات عملاء ضخمة ونتائج تحليلات دقيقة تساعدهم على أخذ قرارات استراتيجية صائبة بخصوص أعمالهم.
تُطبق في المدن الذكية أنظمة مختلفة تجعلها تستحق وصف "ذكية" تعمل على الارتقاء بحياة المواطن اليومية، لا يمكن اقتصار تلك الأنظمة على أمثلة محددة، فأي نظام يجعل الخدمات والحياة اليومية أسهل ويرشد استهلاك الطاقة ويزيد معدلات الاستدامة يمكن أن يكون جزءًا من أنظمة المدن الذكية. ومن تلك الأنظمة المتعارف عليها:
1- أنظمة النقل الذكي: والتي تشمل التحكم في إشارات المرور وفتح وغلق الشوارع بناءً على كثافة السير، ومواقف السيارات الذكية لتوجيه السائق لمكانه مباشرةً وتحديد الرسوم واحتسابها تلقائيًا، والطرق الذكية لرصد عبور المركبات من البوابات المدفوعة وخصم الرسوم أو فرض المخالفات تلقائيًا.
2- أنظمة ترشيد استهلاك الطاقة: والتي تشمل إدارة استهلاك الطاقة في المنشآت الحكومية والمباني الهامة والطرق لزيادة الكفاءة وتقليل الهدر.
3- أنظمة تعزيز المساحات الخضراء: وتعمل للحفاظ على المساحات الخضراء في المدينة من الجفاف وتقديم الاهتمام بها وسقيها بشكل دوري مناسب والحد من الأضرار الملحقة بها.
4- أنظمة إدارة النفايات: والتي تدير أسطول مركبات النفايات بكفاءة وذكاء لتقليل استهلاك الوقود والحد من التحركات الغير مطلوبة وإهدار المال العام.
كما يتم التركيز في المدن الذكية على الاستدامة، وتسخير التقنيات الرقمية من أجل استخدام أفضل للموارد وتقليل الانبعاثات، وينعكس ذلك على تحسين إمدادات المياه، وتقديم طرق أكثر كفاءة لإضاءة وتدفئة المباني، وغيرها من طرق تعزيز جودة حياة المواطن اليومية وتوفير كافة سبل الراحة والأمان.
أهم مشاريع المملكة في قطاع المدن الذكية
لقد بادرت المملكة إلى تحويل مساحات شاسعة تصل إلى آلاف الكيلومترات المربعة إلى مدن ذكية، بغرض التوسع العمراني وتوليد فرص عمل جديدة وتشجيع الاستثمار، وتحويل اقتصادها إلى اقتصاد متنوع. ومن أهم تلك المشاريع:
1- مشروع نيوم (NEOM):
أو "مدينة الخيال" كما يُطلق عليها، أُطلق مشروع مدينة نيوم عام 2017 كجزء من مشاريع رؤية المملكة 2030، ويهدف إلى تحويل صحراء شمال غرب المملكة إلى مدينة مستقبلية مبتكرة تعمل بالطاقة المتجددة بنسبة 100% لتكون نموذجًا جديدًا للحياة المستدامة ومن أهم تطبيقات المدن الذكية في المملكة. تشمل نيوم 41 جزيرة، و4 مناطق طبيعية، وتبلغ المساحة الكلية للمشروع 26.5 كم مربع. ويحتوي المشروع على 4 مشاريع فرعية وهم ذا لاين، أوكساچون، وتروجينا، وسندالة.
2- مشروع القدية:
بدأ مشروع القدية عام 2018، بغرض تحويل المدينة إلى مركز عالمي للترفيه والرياضة والثقافة، فبدأت إنشاءات ملاعب رياضية دولية ومسارح للحفلات الموسيقية وأماكن ترفيه فاخرة وأكاديميات للرياضة والفنون، وحلبات للسباقات، وأماكن لاستضافة فعاليات الإثارة والمغامرة، ومدن ألعاب تناسب كل أفراد العائلة، إضافة إلى متنزه 6 فلاجز الشهير. يشكل المشروع وجهة سياحية عالمية في قلب الرياض وتبلغ المساحة الإجمالية للمدينة أكثر من 360 كم مربع، ومن المتوقع وصول عدد زوارها سنويًا إلى 48 مليون زائر، وستوفر 325 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وستساهم ب135 مليار ريال في الناتج المحلي الاجمالي للمملكة عند تشغيلها بالكامل.
3- مشروع البحر الأحمر:
وهو مشروع تطوير الوجهة السياحية للمملكة على الساحل الغربي، حيث تمتد تلك الوجهة الخلابة 28 ألف كم مربع وتضم مجموعة من الأراضي والبحيرات، وأكثر من 90 جزيرة بكر، وشواطئ صافية، وبراكين خاملة، وكثبان رملية، وجبال خلابة، بالإضافة لمواقع تاريخية وثقافية خفية لم تكتشف بعد تحمل موروثًا تراثيًّا غنيًّا. ومن المقرر أن تضم الوجهة عند إنجاز جميع مراحلها عام 2030، 50 منتجعًا بهم 8,000 غرفة فندقية، بالإضافة إلى أكثر من 1,000 عقار سكني. ومن المتوقع مساهمة المشروع في الناتج المحلي الإجمالي بما يصل إلى 22 مليار ريال سنويًا خلال مرحلة التشغيل الكامل.
4- مدينة الملك عبد الله الاقتصادية (KAEC):
وهي واحدة من أكبر المشاريع التنموية في المملكة، تهدف إلى خلق مدينة متكاملة تجمع بين العيش والعمل والترفيه. تقع المدينة على ساحل البحر الأحمر، على بعد حوالي 125 كيلومترًا شمال جدة وتمتد على مساحة 181 كيلومترًا مربعًا. وتتميز بتصميم حديث يلبي احتياجات الأفراد والعائلات، ومرافق ذات مستوى عالمي، وتوفر فرص استثمار واعدة في مختلف القطاعات. كما تحتوي على ميناء الملك عبد الله واحدًا من أكبر موانئ الشرق الأوسط.
5- مدينة الرياض الذكية:
تتكاتف الجهود لجعل مدينة الرياض مدينة ذكية من أجل توفير جودة حياة أفضل وخلق فرص استثمار أكبر، ويسير العمل في المدينة على قدم وساق لتنفيذ تلك الرؤية من خلال تبني ثلاث مشاريع أساسية، وهم: تطوير البنية التحتية الرقمية ، التوسع في استخدام إنترنت الأشياء ، تنفيذ مشاريع ذكية مثل مترو الرياض.
خاتمة:
تشمل رؤية المملكة 2030 تغييرات جذرية في مجالات عدة، لخلق فرص حياة واعدة لشعب المملكة ولكل زائريها، ولفتح آفاقا جديدة أمام المطورين والمستثمرين حول العالم للتواجد والعمل والاستثمار في المملكة. ولقد حققت المملكة بالفعل نقلات هامة في سنواتها الأخيرة، ومازالت تبذل جهودها لتصل لجودة الحياة المطلوبة والمستحقة لبلد بحجم المملكة العربية السعودية ولشعب بعظمة شعبنا الحبيب.