
3 مسارات تسلكها المملكة العربية السعودية لتصبح مركزًا لوجيستي عالمي بحلول عام 2030
مقدمة:
منذ إطلاق رؤية المملكة العربية السعودية 2030، شهدت المملكة تطورًا ملحوظًا وازدهارًا غير مسبوق في كافة المجالات كالصناعة والتجارة والتكنولوجيا، ناهيك عن إنجازات ملموسة فيما يخص تنمية القدرات البشرية وخدمات النقل والاستثمارات العامة ومجالات التحول الوطني وغيرها. إنه المستقبل يلوح لنا ويعدنا بالغد الذي طالما حلمنا به، حيث تأخذ المملكة المكانة التي تستحقها بين دول العالم رافعةً راية التطور والابتكار في الشرق الأوسط وبين دول الخليج العربي.
شملت الرؤية مخططات محددة لاتباعها، وطرقًا تم تمهيدها بالاستراتيجية الواضحة والتخطيط الواقعي، ليسير عليها جميع المشاركين في هذه الرؤية والمتطلعين للغد المُشرق. فبُنيت الرؤية على أحد عشر برنامجًا ذو خطوط واضحة ومواضيع محددة، تتنوع بين القطاع المالي والصحي والاسكان والاستثمارات العامة والتحول الوطني والصناعة والخدمات اللوجستية، وصولًا إلى تنمية القدرات البشرية وجودة الحياة وخدمة ضيوف الرحمن.
يسير العمل في تلك البرامج على قدمٍ وساق بجهودٍ متوازية لتحقيق الرؤية ومشاهدة نتائجها في كافة المجالات في الوقت المحدد لها، بل وقبل ذلك أيضًا. فمنذ إطلاق الرؤية عام 2016، شهد الجميع الإنجازات التي أعادت تشكيل حياة كل من بالمملكة ولمسها القاصي قبل الداني.
وفي هذا المقال سنلقي الضوء على أحد مسارات تلك البرامج، لنتعرف عليها بشكل أوسع ولنقل أحدث التطورات التي طرأت عليه منذ إطلاقه في عام 2019 وحتى يومنا هذا، إنه برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، والمسار المعني معنا اليوم هو مسار الخدمات اللوجستية تحديداً…
الاستراتيجية الوطنية للقطاع اللوجستي في المملكة
وهب الله المملكة العربية السعودية هبات عِدة، منها موقعها الاستراتيجي بين دول وقارات العالم، هذا الموقع الرابط بين ثلاث قارات هامة وهم أفريقيا وآسيا وأوروبا، والذي ساهم في ربط المملكة بشبكات التجارة والنقل، وساعد على تيسير عمليات التبادل التجاري ونقل البضائع وتوسيع فرص توليد الوظائف. وقد كان من المتوقع، بل ومن الضروري، توجيه جهود المملكة نحو الطرق الأمثل لاستغلال تلك الهبة، فهي تحظى بالقدرة على ربط أسواق تضم أكثر من 6 مليارات شخص؛ فكان للقطاع اللوجستي مكانه المنتظر بين برامج الرؤية.
المخطط العام للمراكز اللوجستية يهدف إلى تطوير البنية التحتية في المملكة، وتنويع الاقتصاد المحلي، وتعزيز مكانة المملكة كوجهة استثمارية رائدة ومركز لوجستي عالمي. ويشمل كل ماهو متعلق بإدارة تدفق البضائع والموارد من منطقة الإنتاج إلى منطقة الاستهلاك، بما في ذلك الاستيراد والتصدير، وتسهيل عمليات النقل والشحن، والاهتمام بالبنية التحتية، وإدارة عمليات التغليف والتعبئة، واستخدام تقنيات حديثة لتسهيل العمليات ورقمنتها. ويضم المخطط 59 مركزًا لوجستيًا بإجمالي مساحة تتجاوز 100 مليون متر مربع في أنحاء متفرقة من المملكة، على أن تكتمل جميع المراكز بحلول عام 2030.
شملت الاستراتيجية الوطنية للقطاع اللوجستي إعطاء الأولوية للتكامل بين اللوجستية البحرية والبرية والجوية في المملكة. فتم رصد ميزانية ضخمة تقدر بترليون ريال سعودي لتحقيق تلك الاستراتيجية والعمل عليها. واهتمت الاستراتيجية بالثلاث اتجاهات على حدٍ سواء، فشملت:
1- القطاع البحري:
يهدف تطوير القطاع البحري إلى تحسين كفاءة الموانئ السعودية وتعزيز قدرتها الاستيعابية، وتتلخص هذه الخطة في ثلاث نقاط أساسية:
-
تطوير نموذج عمل جديد يقوده القطاع الخاص لضخ استثماراته في الموانئ ليقوم بعمليات التوسعة وإدارة وتطوير العمليات التشغيلية أو ما يسمى بعقود الإسناد مع القطاع الخاص.
-
إنشاء مراكز وقرى ومدن لوجستية تربط الموانئ لخلق مناطق إيداع وتخزين لعمليات الفرز والتغليف ثم إعادة الشحن داخل وخارج المملكة.
-
زيادة الربط مع الموانئ العالمية من خلال نقاط الملاحة البحرية، وقد تم بالفعل الربط مع أفريقيا وأوروبا وشبه القارة الهندية وما يقرب 31 وجهة ملاحية لاستقبال وتصدير مزيد من الحاويات.
2- القطاع البري:
يشهد المخطط لتطوير القطاع البري اهتمامًا كبيرًا بقطاع السكك الحديد، فقد تم بالفعل إنجاز خمسة آلاف كيلو من السكك الحديد في المملكة، ويهدف المخطط إلى تضاعف هذا العدد في السنوات المقبلة. وأهم وأضخم المشاريع المقامة في ملف السكك الحديد هم:
-
قطار الشرق: وهو أضخم مشروع بري حديث، يربط المنطقة الشرقية بالرياض مرورًا بجدة إلى رابغ وينبع، فهو يساعد في ربط المنطقة الشرقية بالغربية، ويساعد في ربط البضائع من ميناء الدمام بميناء الجُبيل ونقلها إلى الغرب لتستفيد بها السعوية ولربطها مع القارة الافريقية.
-
قطار ربط وعد الشمال بالجُبيل: يربط هذا الخط السككي بين مناجم الفوسفات والبوكسيت في منطقة وعد الشمال والمناطق الصناعية والمصانع في الجبيل ورأس الخير، مما يساهم في تعزيز النقل الفعال للموارد الطبيعية ودعم النشاط الاقتصادي في هذه المناطق.
3- القطاع الجوي:
ترتكز استراتيجية تطوير القطاع الجوي بالمملكة على تطوير المطارات وزيادة سعتها مما يعزز تجربة المسافر ويزيد من الاستثمارات وتنشيط السياحة، فموقع المملكة يسمح لها بالربط بأكثر من 250 وجهة عالمية عبر 29 مطارًا، والوصول بعدد المسافرين إلى 300 مليون مسافرًا سنويًا، والوصول بالقدرة الاستيعابية للشحن الجوي إلى 4.5 مليون طن سنويًا وضخ أكثر من 100 مليار دولار من الاستثمارات في القطاع العام والخاص.
إنها أهداف الاستراتيجية لعام 2030، لكن العمل يسير على وتيرة متسارعة منذ سنوات، ومن أبرز النماذج الناجحة مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة حيث ظهرت أرباح المطار وفق النموذج الاستثماري منذ أول سنة تشغيلية ويعد من التجارب الناجحة في تطوير مطارات المملكة، كما أن المطار مستمر في تسجيل مستويات أداء عالية وفق تقارير أداء المطارات. ومن المنتظر تدشين المرحلة الثانية من تطويره لرفع الطاقة الاستيعابية للمطار من 8 إلى 17 مليون مسافر سنويًا بتكلفة تبلغ مليارًا و125 مليون ريال، كما سيتضمن المشروع إنشاء صالة مسافرين إضافية بطاقة استيعابية تصل إلى 4 ملايين مسافر سنويًا بحلول عام 2027.
إنها لوجستيات محلية سينعكس التطوير والاستثمار فيها على اللوجستيات العالمية، فالوصول إلى مكانة المملكة التي ترجوها كمركز لوجستي عالمي يحتم الاهتمام بإدارة سلاسل التوريدات والاهتمام بالنقل والبنية التحتية وعمليات كالتغليف والتعبئة، بالإضافة إلى الربط بالنقاط الخارجية العالمية حتى يتحقق مفهوم اللوجستيات بكل جوانبه، بدءًا من المرحلة الأولى والتي تشمل التصنيع أو التعدين أو الاستيراد، مرورًا بمراحل التغليف والتعبئة وإدارة عمليات الشحن، ووصولاً إلى الوصول للمستهلك داخل أو خارج المملكة.
أبرز إنجازات المجال اللوجستي في المملكة:
مع كل تلك الجهود المبذولة من القطاعين الخاص والعام، نرى إنجازات ملموسة شهدها مواطني السعودية في السنوات الأخيرة، إنها الدليل على حسن تخطيط المملكة وبرهانٌ على سير المخطط في طريقه الصحيح، دعونا نستعرض أهم تلك الإنجازات في النقاط التالية:
1- ارتفع التصنيف الدولي للمملكة في مناولة أعداد الحاويات وفق تقرير “Lloyd’s List” لعام 2024م؛ لتحتل المرتبة 15 عالميًا.
2- تم إطلاق نظام مجتمع الموانئ الذي يستهدف توفير أكثر من 250 خدمة إلكترونية بالموانئ السعودية التابعة للهيئة.
3- فوز المملكة باستضافة منتدى الأونكتاد العالمي لسلاسل التوريد خلال عام 2026م إلى جانب إدراج ميناء جدة الإسلامي في بورصة لندن للمعادن LME
4- توقيع عدة اتفاقيات شراكة مع عدد من الموانئ الدولية، والجهات الوطنية بالقطاعين الحكومي والخاص لتأهيل وتطوير الكوادر البشرية ورفع الكفاءة التشغيلية، وذلك مع كل من: وزارة النقل والخدمات اللوجستية، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، وشركة سار، والأكاديمية السعودية اللوجستية، وهيئة التصنيف البريطانية، وخطوط باسفيك إنترناشونال، وميناء هامبورغ، وشركة ميناء هامبورغ للاستشارات، وشركة ريڤايڤا، وميناء مرسيليا فوس.
5- إدراج تقنيات مبتكرة في قطاع اللوجستيات، حيث يتم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي AI للنقل الذكي وتحليل البيانات وتحسين عمليات اتخاذ القرار وإدارة المخزون، بينما تُستخدم تقنية سلسلة الكتل Blockchain للتقليل من الأعمال الورقية وتمكين المنظمات من مشاركة البيانات الحساسة واستخدام العقود الذكية لأتمتة العمليات التجارية، مما يعزز الثقة المتبادلة بين الأطراف.
6- تصنيف الطيران السعودي في المركز 13 عالميًا في مؤشر الربط الجوي لعام 2023 الصادر من اتحاد النقل الجوي.
7- تصنيف طرق المملكة الأولى عالميًا في مؤشر ترابط شبكة الطرق خلال عام 2019 وتصنيفها 23 عالميًا ضمن أكبر شبكات الطرق حول العالم.
8- تصنيف ميناء الملك عبد الله الثاني عالميًا كأسرع الموانئ نمواً في العالم لعام 2022 وحصوله على المركز ال16 عالميًا في إعداد مناولة الحاويات في عام 2023.
9- تصنيف 3 موانئ سعودية ضمن أفضل 20 ميناء بمؤشر أداء الحاويات عام 2021.
10- تدشين أول قطار هيدروجيني في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
11- استخدام الحافلات الكهربائية لأول مرة في ثلاث مدن سعودية.
12- بدء استخدام أول حافلة نقل ذاتية القيادة في المملكة العربية السعودية.
13- بدء تشغيل طائرات الدورن لقياس حركة الحافلات.
خاتمة:
العمل لا يتوقف، والتخطيط للغد مستمر ويتطور يومًا بعد يوم تبعًا للتطورات العالمية، ولم تبرح كل قطاعات المملكة حتى تحقيق كافة خطط رؤية 2030 سواءً في القطاع اللوجستي بأن تكون المملكة مركزًا لوجستيًا عالميًا هام، أو في باقي المجالات المضمنة في الرؤية. ولن تنتهي طموحات وآمال المملكة عند هذا الحد، بل بعد تحقيق رؤية 2030 ستبدأ التطلعات والخطط للفترات المقبلة بلا تهاون أو تقاعص حتى تصل المملكة للمكانة العالمية التي تستحقها بين دول العالم.